Friday, June 5, 2020
سياسةعاجلعالميمقالات وتقارير

منهج الإخوان المسلمون والاعتدال المزيف

107views

منهج الإخوان المسلمون والاعتدال المزيف

تشكّلت جاذبية الإسلام السياسي على المعنى الذي تمنحه لأعضائها وأنصارها ومؤيديها؛ ففي هذا الشعور بالتميز والاستعلاء تجمعت الجماهير والأنصار مزهوّة بالمعنى والاختلاف، الشعور أنّها الأفضل وأنّها الإسلام الصحيح، لكن ما حدث بالفعل؛ هو استخدام المعنى العام وإضفاء الدين والمعنى الديني عليه، وهكذا فقد كان التزييف في منح الاجتماع الإنساني المتغير المنبثق عن تفاعل الناس مع حياتهم ومواردهم، بما هي عملية واقعية، أبعاداً تبدو هبطت من السماء، كأنّها وعد خارجي معجز ومستقل عن قدرة الناس وحياتهم الواقعية.

أيّ دين، قادر على أن يحوّل نظامه الرمزي لينشئ حالات نفسية وحوافز قوية وشاملة ودائمة في الناس عن طريق صياغة مفاهيم عن نظام عام للوجود، وإضفاء هالة واقعية على هذه المفهومات؛ حيث تبدو هذه الحالات النفسية والحوافز واقعية بشكل فريد.

لقد أوقعنا هذا التزييف للمعنى في عالم الإسلام في متوالية من الكوارث الخطيرة جداً، أولها: تغيير الدين في فهمه ومساره وفعله الأصلي، ليتحول إلى منظومة عملية تفصيلية؛ هي إنسانية في حقيقتها، لكنّها تُفهم وتُقدم وتُفرض على أنّها من عند الله، وما هي من عند الله، وتعالى الله عمّا يقولون علوّاً كبيراً.

الإخوان المسلمون والاعتدال المزيف

يسود في دوائر السياسة وعالم الحركات الإسلاموية اليوم مصطلح “الإسلام السياسي المعتدل” أو الوسطي، والذي يعني حسب دعاته ومروّجيه، أنّ هناك جناحاً من تيار الإسلام السياسي معتدل في أفكاره ونهجه، وبعيد عن التشدد والتطرف يقبل التعايش مع المجتمع !

وفي نظري إنّ هذه مقولة متهافتة، لأسباب عدة منها: تشابه المخزون الفكري والفقهي الذي تنهل منه جماعات الإسلام السياسي، سواء المتطرف أو الذي يدّعي الوسطية والاعتدال كالإخوان المسلمين؛ فلو تتبّعنا بعضاً من أشهر  مفاهيم هذا الفكر المشترك لوجدنا  تطابقاً تاماً، نذكر منها -على سبيل المثال لا الحصر- الخلافة، ودار الإسلام، ودار الكفر، والولاء والبراء، والحاكمية، والطاغوت، ودولة الإسلام، وحكم الشريعة، والجاهلية، والمرتد، والكافر …الخ.     

لكن الفرق بين ما يسمى بالجناح المعتدل! والجناح المتشدد في تيار الإسلام السياسي، أنّ المعتدل يمارس تقية كلامية وتلاعباً بالألفاظ، كما أنّه ينخرط في النشاط الاجتماعي على صعيد العمل الخيري والسياسي والاقتصادي، وذلك للوصول إلى مرحلة التمكين ومن بعدها  أستاذية العالم!،و يعد هذا الجناح، الذي تهيمن عليه جماعة الأخوان المسلمين، أخطر على المجتمع إستراتيجياً من الجناح المتشدد الذي تتصدره عدة جماعات: كالهجرة والتكفير والجماعة الإسلامية والقاعدة وداعش؛ فالإخوان المسلمون ومن خلال أديباتهم يشكلون الحاضنة الفكرية للجماعات المتطرفة؛ حيث تقوم هذه الأدبيات بشحن المجتمع بالمفاهيم الدينية  المغموسة بالسياسة من أجل تشكيل وعي  زائف للناس، وبنمط معين من التدين يعبّد الطريق أمام الفكر المتطرف، ويؤدي في نهاية المطاف إلى العنف اللفظي-الإرهاب الفكري- الذي يفضي إلى العنف العملي أو ما يسمى بالإرهاب الدموي الذي يستبيح دماء الناس.  

لقد برهنت أدبيات جماعة الإخوان على صعيد فكر رموزها ومنظّريها  بدءاً من مؤسسها  حسن البنا، ومن بعده سيد قطب ومحمد قطب، وصولاً إلى يوسف القرضاوي، مدى التطرف العميق الذي تختزنه هذه الأدبيات تجاه مجتمعاتنا؛ فالبنا بلور مفهوماً خاصاً عن الجهاد أدى به إلى  استباحة دماء المسلم وغير المسلم، في سبيل الوصول للسلطة، ولأجل ذلك أسس النظام الخاص الذي قام بعدة اغتيالات لمسؤولين مصريين اثنين منهم رؤساء حكومات (أحمد ماهر، ومحمود  النقراشي)، والقاضي أحمد الخازندار؛ بل وصل الأمر إلى تصفية أحد قادة النظام الخاص المهندس سيد فايز على يد إخوانه في التنظيم.   

أما سيد قطب، المنظّر الأكبر للإخوان وصاحب كتاب  “معالم في الطريق”، فهو يذهب إلى اتهام المجتمع بالجاهلية وبالتالي عدم الاعتراف بإسلامية هذا المجتمع؛ أي كفره، وجاء من بعده شقيقه محمد قطب الذي اعتنق نفس الأطروحة –الجاهلية- فذهب إلى تجهيل المجتمعات العربية والإسلامية؛  بل إنّه في كتابه “واقعنا المعاصر” يقرر أنّ من وصلته دعوة الحركة الإسلامية ولم يوافق على تعاليمها: “بعد البيان والتعليم  فهو الكافر بلا شبهة، وأما من أجاب الدعوة فهو المسلم بلا شبهة”. لقد كان لفكر سيد قطب وشقيقه محمد الأثر الكبير في بروز جماعات جديدة خرجت من  تحت عباءة الإخوان المسلمين أبرزها -على سبيل المثال لا الحصر -: جماعة الهجرة والتكفير، والجهاد الإسلامي، والجماعة الإسلامية، والسرورية؛ بل إن تنظيم الإخوان نفسه ينقسم إلى قسمين: أتباع البنّا، الذين يمارسون التقية السياسية والفكرية ويستبطنون فكر سيد قطب، والقطبيون الأكثر تشدداّ-في الظاهر-من اتباع البنّا