Monday, March 30, 2020
سياسةعاجلعالميمنوعات وطرائف

الملف  الليبي اثبت للعالم : أردوغان ليس له أصدقاء بعد الآن

134views

الملف  الليبي اثبت للعالم : أردوغان ليس له أصدقاء بعد الآن

من الصّعب الآن المفاخرة بهذا الأمر، لكن كان هناك وقت، قبل عقدٍ فقط، وَصفت فيه تركيا المبدأ الحاكم لسياستها الخارجيّة بأنّه “تصفير المشكلات مع الجيران”. لكن منذ ذلك الحين، أحرقت أنقرة قواربها مع إسرائيل بسبب واقعة أسطول الحرّيّة عام 2010؛ أغضبت مصر بانتقادها النظام المصري ودعمها الإخوان المسلمين؛ قطعت العلاقات مع سوريا من خلال مساعدة المتمرّدين المناهضين للأسد (ومؤخّراً، قامت بغزو الشّمال الشّرقي للبلاد لإعادة الّلاجئين قسراً) واستعدَت كلاً من السّعودية والإمارات من خلال الوقوف إلى جانب قطر

الآن، تُقدّم تركيا مساعدة عسكريّة مباشرة إلى الحكومة الّليبيّة، بقياة فايز السراج، في حين تدعم روسيا وبعض الدول العربية قائد قوات الجيش الليبي المشير خليفة حفتر. وبعد فشل محادثات وقف إطلاق النّار، برعاية كلّ من تركيا وروسيا، وعد الرّئيس رجب طيّب أردوغان بتلقين حفتر “درساً ، على العكس، إذاً، تبدو سياسة تركيا الخارجيّة الآن مصمَّمة لزيادة المشكلات مع كافّة جيرانها ،لكن، كيف وصلت الأمور إلى هنا؟ في الأعوام العشرة الماضية، انحدرت تركيا من ديمقراطيّة إسلاميّة نابضة بالحيويّة إلى دولة سلطويّة قمعيّة. لكن هذا لا يُفسّر علاقاتها العدائيّة مع جيرانها: فمعظم حكومات الشّرق الأوسط هي أيضاً دول سلطويّة قمعيّة ذات غالبيّة مسلمة.

الجواب هو أنّ أردوغان سعى بنشاط إلى النّهوض بقضيّة الإسلام السّياسيّ، محلّيّاً ودوليّاً. وهذا ما ربطه بقطر ضدّ معظم الدّول العربية الأخرى، خاصّة السّعودية ومصر والإمارات ، داخل تركيا، تقدّمت الأسلمة في البداية مع الدّمقرطة. فالجيش التّركيّ كان قوّة علمانيّة صارمة، ومع تراجع قبضته على الدّولة، عاد الدّين إلى السّياسة، وفي المقام الأوّل في شكل حزب العدالة والتّنمية الإسلامويّ الّذي يتزعّمه أردوغان. ومن جانبها، عارضت القيادة العسكريّة رسميّاً مرشّح حزب العدالة والتّنمية في الانتخابات الرّئاسيّة لعام 2007 لكونه إسلاميّاً، لكن تمّ انتخاب عبد الله غول – وكانت هذه نقطة تحوّل رئيسة في السّياسة التّركيّة. هذا سمح لأردوغان، الّذي كان قد وصف الدّيمقراطيّة من قبل بأنّها “أداة وليست هدفاً”، بالسّيطرة على المشهد.

يمكن اعتبار محاولة الانقلاب الفاشلة لعام 2016 بمثابة محاولة انتهازيّة من جانب بعض العناصر في الجيش للاستفادة من عدم الرّضا المتزايد بين الأتراك بشأن توحيد أردوغان للسّلطة بين يديه. كما أنّها تمثّل منافسة عميقة ومستمرّة بين إسلامويّي أردوغان والقوى السّياسيّة الأخرى ، وتتّضح هشاشة سيطرة أردوغان على السّلطة في انتخاب رؤساء بلديّات من أحزابٍ معارضة، العام الماضي، في إسطنبول وغيرها من المدن الكبرى، وفي حقيقة انفصال حلفاء سياسيّين قدامى – بمن فيهم وزير الخارجيّة السّابق أحمد داود أوغلو، الّذي نظّر لسياسة “تصفير المشكلات مع الجيران” – عن حزب العدالة والتّنمية.

هذا المسار المحلّيّ له نظيره في السّياسة الخارجيّة لتركيا، الّتي أصبحت أكثر إسلامويّة وعسكريّة كلّما أصبح الموقف السّياسيّ لأردوغان أكثر هشاشة ، إنّ الخصومة مع مصر تحمل مفاتيح فهم تدخّل تركيا في ليبيا. فبعد الرّبيع العربيّ عام 2011، دعم أردوغان صعود جماعة الإخوان المسلمين إلى السّلطة في مصر وساعد حكومة الرّئيس الإخواني محمّد مرسي. وعندما أطاح الجيش بمرسي في عام 2011، وصف أردوغان الوضع بأنّه “إرهاب دولة”. ويبدو أنّه يرى الأحداث في ليبيا بمثابة إعادةٍ للسّيناريو الّذي وقع في مصر: قائد عسكريّ يهدّد بإسقاط حكومة تساعد على تحقيق رؤية تركيا العالميّة.

لدى تركيا روابطها القديمة مع ليبيا، الّتي كانت منطقة نفوذ عثمانيّ في الماضي. وسبق لأردوغان أن أشار إلى أنّ أصول الكثير من الّليبيّين تعود إلى تركيا. وبالقدر نفسه من الأهميّة، هناك عقود عمل تركيّة قوامها 18 مليار دولار قيد التّنفيذ في ليبيا، ويتقاسم البلدان منطقة اقتصاديّة خالصة. وتضمّ حكومة الوفاق الوطنيّ في طرابلس، بقيادة رئيس الوزراء فايز السّراج، عناصر إسلامويّة؛ الحلفاء الطّبيعيّين لأردوغان وحزب العدالة والتّنمية.

هذا، ويتعرّض الجيش الّليبي التّابع لحكومة الوفاق لهجوم عسكريّ مستمرّ على يد الجيش الوطنيّ الّليبيّ الّذي يقوده حفتر، الّذي يعارض الدّور السّياسيّ للإسلامويّين ، لقد أصبحت ليبيا، الّتي طالت معاناتها، ساحة معركة لحربٍ بالوكالة حول دور الإسلام في سياسات الشّرق الأوسط. وليس محتملاً أن تتنازل تركيا ولا دول الشّرق الأوسط المنتظمة ضدّها عن أهدافها.

ومع فشل محادثات وقف إطلاق النّار، سيعود الانتباه إلى الخطوط الأماميّة، حيث يسود الجمود الدّامي. فلو كان لدى حفتر القوّة العسكريّة الّلازمة للاستيلاء على طرابلس، لفعل ذلك. ويمكن أن تؤدّي الزّيادات الكبيرة في المساعدات التّركيّة إلى قلب الاتّجاه لصالح حكومة الوفاق الوطنيّ، إلّا إذا زاد حلفاء حفتر من دعمهم للجيش الوطنيّ. وفي هذه الأثناء، من المرّجح أن تسوء مشكلات تركيا مع جيرانها.

أردوغان يريد إشغال المنطقة بعمليات عسكرية، ليست لها بداية ونهاية تحقيقاً لحلم واهٍ وماضٍ عفا عليه الزمن وأصبح من المنسيات كونه عمق الخلافات الإسلامية وأساء إلى الحضارة العربية المشرقة وخلق نزاعات لا تزال إلى يومنا الحاضر والسجل التاريخي للاحتلال العثماني تشهد له الأعمال الإجرامية التي استهدفت المفكرين العرب والمنطقة برمتها.